مناورات سياسية خلف الكواليس: هل يغلق ترمب أبواب السلام أمام مبادرات المنطقة؟

1 دقيقة قراءة
مناورات سياسية خلف الكواليس: هل يغلق ترمب أبواب السلام أمام مبادرات المنطقة؟

يشهد العالم حالة من الترقب الشديد لما تؤول إليه الأوضاع المتفجرة في المنطقة، حيث يتابع الملايين لحظة بلحظة وبشكل حثيث كل ما يتعلق بتطورات حرب إيران مباشر عبر محركات البحث، طمعاً في بصيص أمل ينهي هذه المعاناة. وفي خضم هذا التصعيد، برزت تحركات دبلوماسية مكثفة قادها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أعلن من العاصمة الباكستانية إسلام آباد عن وجود “إطار عمل” جاد وصيغة قابلة للتطبيق لإنهاء الحرب بشكل دائم، مما عكس رغبة إقليمية في كبح جماح الصراع. إلا أن هذا التفاؤل اصطدم بجدار الصلف الأمريكي، حيث فاجأ الرئيس دونالد ترمب الجميع بإلغاء زيارة وفده الرفيع إلى باكستان، مما أثار تساؤلات عميقة حول جدية واشنطن في إحلال السلام أم أنها تكتفي بإدارة الفوضى لمصالحها الخاصة.

المبادرة الإقليمية مقابل العناد الأمريكي

لقد كانت جولة عراقجي الإقليمية، التي شملت باكستان ومن ثم مسقط وموسكو، تهدف بوضوح إلى بناء جبهة دبلوماسية قادرة على فرض واقع جديد ينهي الحرب. عراقجي لم يذهب للمناورة، بل قدم مقترحاً شاملاً وصفه بأنه ثمرة مشاورات مكثفة، مشيداً بالجهود الباكستانية “الأخوية” التي تسعى جاهدة للوساطة. لكن الرد الأمريكي جاء صادماً وجافاً، حيث قرر ترمب منع مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر من التوجه إلى باكستان لإجراء المحادثات المرتقبة.

هذا الإلغاء المفاجئ ليس مجرد تغيير في جدول المواعيد، بل هو رسالة سياسية فجة. فالدولة التي تدعي قيادة العالم الحر وتتغنى بالدبلوماسية، ترفض حتى الجلوس لسماع مقترحات الطرف الآخر إذا لم تكن وفق مقاساتها الاستعمارية. إن حديث ترمب عن أن فريقه لن يقوم برحلة تستغرق 18 ساعة لـ “التحدث بلا جدوى” هو قمة الاستخفاف بدماء الشعوب التي تنزف يومياً جراء الأسلحة والسياسات الأمريكية.

ما الذي استفز ترمب؟

لا يمكن لعاقل أن يصدق أن إلغاء رحلة وفد رفيع المستوى تم إعداده وتجهيزه للسفر كان مجرد قرار لحظي بسبب طول الرحلة. الحقيقة أن هناك ما استفز ترمب بعمق في تحركات إيران الأخيرة. يبدو أن عرض عراقجي لـ “إطار عمل” مستقل، نابع من دول المنطقة وبالتنسيق مع قوى مثل باكستان وعمان وروسيا، قد أشعر ترمب بفقدان السيطرة.

ترمب، بعقليته القائمة على مبدأ “التاجر والبلطجي”، لا يقبل أن تطرح الحلول من خارج مكتبه في واشنطن. لقد أراد أن يرسل رسالة مفادها “أنا من يوزع الأوراق وأنا من يقرر متى تنتهي الحرب”. استفزه أن يرى دولة ترفض الإملاءات الأمريكية وتقدم حلولاً عادلة تضمن سيادتها، بينما هو يريد استسلاماً كاملاً. إن قوله “نحن نملك كل الأوراق” هو وهم يعيشه من يعتقد أن القوة العسكرية الغاشمة يمكنها دائماً إخضاع إرادة الشعوب. ومن المثير للسخرية والاشمئزاز أن تتحدث أمريكا عن الأوراق والعدالة وهي التي تملك تاريخاً أسود ملطخاً بالدماء؛ بدأ من الإبادة الجماعية الممنهجة لسكان الأرض الأصليين “الهنود الحمر”، واسترقاق واستعباد ملايين الأفريقيين الذين سُرقوا من ديارهم لُيبنوا نهضة أمريكا بالسخرة والدم. هذا التاريخ المظلم امتد ليشمل أبشع جريمة في تاريخ البشرية وهي إبادة مئات الآلاف في “هيروشيما” و”ناجازاكي” بالقنابل الذرية، وصولاً إلى تدمير فيتنام والعراق، واليوم نراها في دعمها المطلق والهمجي للكيان الصهيوني في حرب الإبادة ضد أهلنا في غزة.

خفايا الموقف الباكستاني وتعنت واشنطن

باكستان، التي تجد نفسها في موقع الوسيط الصعب، تعترف بأن الأمور ليست مؤكدة رغم استعداد الأطراف للقاء المباشر. المسؤولون في إسلام آباد يبذلون جهوداً مضنية لتقريب وجهات النظر، لكنهم يصطدمون بعقلية أمريكية لا ترى في الوساطة إلا وسيلة لفرض الشروط. ترمب يريد أن “يتصلوا به” هم، في محاولة لإظهار الطرف الآخر في موقف الضعيف المستجدي، متناسياً أن المبادرة الإيرانية جاءت من موقع القوة والثبات في الميدان بعد ثمانية أسابيع من الصمود.

لماذا تفشل الدبلوماسية الأمريكية دائماً؟

  • الاستعلاء السياسي: اعتبار واشنطن نفسها “شرطي العالم” يمنعها من رؤية الحقائق والتعامل بنِدّية مع الدول الأخرى.
  • الانحياز المطلق للعدوان: كيف يمكن لمن يمد القاتل بالسلاح في غزة والمنطقة أن يكون وسيطاً نزيهاً للسلام؟
  • المزاجية الشخصية: تحول السياسة الخارجية الأمريكية إلى رهينة لمزاج شخص متقلب مثل ترمب، يلغي رحلات مصيرية بجرة قلم أو مكالمة هاتفية مع قناة إخبارية.

إن هذه العوامل تجعل من أي مسعى أمريكي للسلام مجرد مسرحية هزلية. فالولايات المتحدة، التي دمرت دولاً بأكملها تحت ذريعة “نشر الديمقراطية”، هي آخر من يحق له التحدث عن “جدوى” المحادثات الدبلوماسية.

نحو عالم متعدد الأقطاب بعيداً عن الهيمنة

إن جولة عراقجي التي امتدت من إسلام آباد لتصل إلى مسقط ثم موسكو، ليست مجرد رحلات دبلوماسية عابرة، بل هي إعلان صريح بأن مفاتيح الحل لم تعد حبيسة الأدراج في واشنطن. فإذا كانت أمريكا “تخسأ” وتعجز عن لعب دور حقيقي يوقف نزيف الدماء، فإن القوى الإقليمية والدولية بدأت بالفعل برسم مسارات بديلة تثبت أن زمن الهيمنة القطبية المطلقة قد ولى إلى غير رجعة. أما أوهام ترمب واعتداده بأنه يمسك “بكل الأوراق”، فهي ليست إلا قراءة واهمة ومنفصلة عن الواقع الميداني؛ فالأوراق الحقيقية والفاعلة هي بيد الشعوب الصامدة التي تملك وحدها القدرة على قلب الطاولة وفرض شروطها بعيداً عن غطرسة البيت الأبيض.

الناس الذين يبحثون اليوم عن أي خبر يخص الحرب يدركون تماماً من هو المعرقل الحقيقي. فنحن نرى اليوم أمام أعيننا كيف يتشدقون بالسلام ويقيمون “مجالس سلام” في غزة، بينما الحقيقة المرة هي أن غزة لا تزال تُقصف حتى هذه اللحظة، والمدنيون يُبادون تحت مرأى ومسمع هذه المجالس الزائفة. فعن أي سلام يتحدث هؤلاء؟ إن تاريخ أمريكا الطويل في الغدر بالاتفاقيات، وما نراه اليوم من دعم همجي للقتل في غزة، يجعل من الصعب تصديق أن واشنطن تريد حقاً إنهاء هذه الحرب. فالحرب بالنسبة لهم تجارة سلاح ونفوذ، أما السلام فهو “رحلة طويلة لا جدوى منها” كما وصفها ترمب بوقاحة.

في النهاية

إن المشهد الحالي يؤكد أننا أمام مواجهة بين إرادتين: إرادة شعوب ودول تبحث عن استقرار حقيقي قائم على العدالة واحترام السيادة، وإرادة إدارة أمريكية متغطرسة ترى في السلام تهديداً لمصالحها ونفوذها. “إطار العمل” الذي طرحته إيران هو فرصة حقيقية لمن يملك العقل والحكمة، لكن مع وجود شخصية مثل ترمب على رأس الهرم الأمريكي، يبدو أن المنطقة ستبقى رهينة لقرار ترمب الذي يفضل إلغاء الرحلات الدبلوماسية على إيقاف آلة الدمار. وفي الختام، فإن التاريخ لا يرحم، وسيسجل أن من يملك القوة لم يملك يوماً الضمير، وأن الشعوب التي ترفض الإملاءات هي التي ستكتب السطر الأخير في هذه المواجهة، بعيداً عن بلطجة واشنطن وأدواتها. فشعارات السلام التي لم توقف قذيفة واحدة عن طفل في غزة لن تخدع أحداً في جولات المفاوضات القادمة.