
كان 2024: “ملاحظات ناغي” يضيء و”رماد” يثير التساؤلات حول الفهم البشري
في قلب فعاليات مهرجان كان السينمائي المتواصلة، تتكشف أمام النقاد والجمهور أعمال سينمائية متنوعة، بعضها يلامس الروح بجمالياته العميقة، وبعضها الآخر يثير حوارات نقدية حول أساليب السرد ومعالجة القضايا. ومن بين هذه الأعمال، برز فيلمان يتقاطعان في تناولهما لموضوع جوهري وإن اختلفت مساراتهما الفنية: «ملاحظات ناغي» (Nagi’s Notes) للمخرج الياباني كوجي فوكادا (Kōji Fukada)، و«رماد» (Ash) للممثل والمخرج المكسيكي دييغو لونا (Diego Luna). كلاهما يعالج، وإن بطرق متباينة، الفشل في فهم منظور الآخرين، مقدماً رؤى مختلفة حول تعقيدات التواصل البشري.
«ملاحظات ناغي»: رحلة في تفاصيل قرية يابانية
يشارك المخرج الياباني كوجي فوكادا للمرة الأولى في المسابقة الرسمية لمهرجان كان بفيلمه «ملاحظات ناغي»، بعد عقد من الزمن على فوزه بجائزة «نظرة ما» المرموقة بفيلمه «هارمونيوم» (Harmonium). هذا العودة القوية لفوكادا تأتي بفيلم يغوص في عمق العلاقات الإنسانية في قرية يابانية نائية تحمل اسم ناغي، على مدار ثمانية أيام. الفيلم يتبع أربع شخصيات رئيسية تتشابك مصائرها: المهندسة المعمارية يوري (Yuri)، النحاتة يوريكو (Yuriko)، الفتى المراهق كيتا (Keita)، وصديقه هاروكي (Haruki).
يتناول «ملاحظات ناغي» ببراعة موضوع سوء الفهم بين الأشخاص، مستلهماً من خصوصية الموقع (قرية ناغي) ومفهوم الكاميرا المظلمة. لا يقتصر هذا المفهوم على كونه مجرد تقنية بصرية، بل يمتد ليعكس الطبيعة الذاتية للفن وكيف يرى كل فرد العالم من زاويته الخاصة. النحاتة يوريكو، على سبيل المثال، تقدم رؤية فنية عميقة، حيث تقول ليوري، مشيرة إلى قطعة من خشب الكافور تخطط لنحتها:
“هذه ستكون أنتِ يا يوري.”
وتضيف، مقارنة النحت بالمباني:
“المباني تجسد أفكار السلطة والانتقائية.”
هذه الحوارات تعمق فهمنا لكيفية تجسيد الأفكار والمفاهيم، وتبرز الفروق الدقيقة في تفسيرنا للواقع والفن.
«رماد»: سردٌ مُبهم وتحديات بصرية
في المقابل، يأتي فيلم «رماد» للممثل والمخرج المكسيكي دييغو لونا، ضمن قسم العروض الخاصة بالمهرجان، مستنداً إلى رواية «رماد في الفم» (Ash in the Mouth) للكاتبة بريندا نافارو (Brenda Navarro). يروي الفيلم قصة إيزابيل (Isabel) التي تترك أطفالها في المكسيك لتنتقل إلى إسبانيا، ثم يركز السرد على ابنتها لوسيلا (Lucila) وحياتها في إسبانيا بعد أن انضمت إليها مع شقيقها الأصغر دييغو (Diego).
على الرغم من الموضوع الإنساني الذي يتناوله الفيلم، إلا أنه يعاني من أسلوب سردي غير مباشر بشكل مفرط. يتعامل النص مع عناصر الحبكة الأساسية كمفاجآت، مما يجعل المشاهد يشعر بالارتباك أحياناً. يفتقر الفيلم إلى الإخراج البصري الكافي لإنجاح هذا النهج السردي المعقد، الأمر الذي يضعف من قدرته على إيصال رسالته بوضوح. هذه التحديات في السرد والإخراج تجعل من «رماد» تجربة سينمائية تتطلب صبراً ومجهوداً أكبر من المشاهد لفك شفراتها.
الفشل في فهم الآخر: خيط يربط الفيلمين
رغم التباين الواضح في الأسلوب والنجاح الفني بين الفيلمين، إلا أنهما يلتقيان في معالجة قضية محورية: الفشل في فهم منظور الآخرين. يعرض «ملاحظات ناغي» هذا الفشل بشكل دقيق وملموس من خلال التفاعلات اليومية بين شخصياته، وكيف يمكن لسوء الفهم أن ينشأ حتى بين أقرب الناس. بينما يعالج «رماد» هذه القضية من زاوية الهجرة والتبعات النفسية، حيث تتصارع الشخصيات مع فهم قرارات بعضها البعض ومع التحديات الثقافية والنفسية التي تواجهها.
كلا الفيلمين يقدمان دعوة للتأمل في كيفية بناء جسور الفهم بين البشر، وكيف يمكن للفن أن يكون مرآة تعكس هذه التعقيدات. في حين ينجح فوكادا في تقديم تحفة سينمائية تلامس الروح بعمقها الفلسفي وجمالياتها البصرية، يواجه لونا تحديات في ترجمة رؤيته الروائية إلى لغة سينمائية مؤثرة بالقدر الكافي. يبقى مهرجان كان منصة حيوية لهذه التباينات، حيث تُعرض الأعمال وتُناقش، لتثري المشهد السينمائي العالمي.
خاتمة: دعوة للتأمل في التواصل
إن العرض المتزامن لفيلمي «ملاحظات ناغي» و«رماد» في مهرجان كان السينمائي يقدم فرصة فريدة لمقارنة أساليب السرد السينمائي وكيف يمكن للمخرجين تناول قضايا إنسانية متشابهة بطرق مختلفة تماماً. بينما يبرهن «ملاحظات ناغي» على قدرة السينما على الغوص في أعماق النفس البشرية ببراعة فنية، يثير «رماد» تساؤلات حول فعالية الأساليب السردية غير المباشرة. وفي كلتا الحالتين، يظل الفشل في فهم الآخرين موضوعاً ذا صلة عميقة، يستدعي منا جميعاً وقفة تأمل في طبيعة تواصلنا البشري.
