
خيبة أمل في “منتصف الليل”: وعود ضائعة بمهرجان الأفلام
شهد قسم “منتصف الليل” في المهرجان السينمائي هذا العام خيبة أمل عامة بين النقاد والجمهور على حد سواء، حيث لم ترق الأفلام المعروضة إلى مستوى التوقعات المعهودة من هذا القسم الذي عادةً ما يقدم تجارب سينمائية جريئة ومبتكرة. فبينما كان الجميع يترقب إبداعات جديدة، جاءت عروض هذا العام، باستثناء فيلم رسوم متحركة واحد تميز بابتكاره البصري، لتترك انطباعًا بالضعف في التنفيذ، حتى مع وجود أفكار واعدة.
“لكن باستثناء فيلم رسوم متحركة واحد مبتكر بصريًا، كانت معظمها مخيبة للآمال تقريبًا.”
“Full Phil”: عبثية تائهة بين النجومية
عاد المخرج الفرنسي كوينتين دوبيو (Quentin Dupieux) بفيلمه الناطق بالإنجليزية “Full Phil”، الذي يجمع بين نجوم هوليوود مثل وودي هارلسون (Woody Harrelson) وكريستين ستيوارت (Kristen Stewart). لكن الفيلم، الذي يوصف بأنه عبثي وغير متماسك، أثار تساؤلات حول الهدف من عرضه ضمن هذا القسم. فبالرغم من الإمكانيات الكبيرة التي يوفرها وجود نجوم بهذه المكانة، إلا أن مواهبهما بدت مهدرة في أدوار تفتقر إلى أي عمق حقيقي، مما حوّل التجربة السينمائية إلى ما يشبه الضياع في فوضى غير مبررة.
“لكنه يتأرجح بين اللامعقول الذي يخدر العقل والحرفية المحرجة، لدرجة أنك في النهاية لا تكون متأكدًا من الهدف من كل ذلك.”
تضمن الفيلم مشاهد طويلة لكريستين ستيوارت وهي تتناول الطعام بطرق مزعجة، مما أثار استياء بعض المشاهدين. كما احتوى على فيلم داخل الفيلم بدا أكثر إثارة للاهتمام من القصة الرئيسية، وهو ما يعكس ربما ضعف البناء السردي للعمل ككل. هذا التناقض بين جمالية الأطباق الباريسية وطريقة تناول ستيوارت لها، خلق تجربة مشاهدة غريبة، حيث بدت الممثلة وكأنها “تأكل المشهد” حرفيًا.
“تستمتع ستيوارت حرفيًا بـ ‘أكل المشهد’، حيث تتناول جميع أنواع الأطعمة الباريسية بطرق مزعجة تتناقض بشكل صارخ مع الجاذبية الجمالية للأطباق.”
لقد كان “Full Phil” أشبه بوجبة مطاعم فاخرة تبدو جذابة ولكنها تفتقر إلى القيمة الغذائية، أو كما وصفه أحد النقاد بأنه “مجرد سعرات حرارية فارغة” لا تخدم أي غرض فني حقيقي. هذا النوع من الأفلام يثير النقاش حول ما إذا كان يجب أن تكون السينما دائمًا ذات قيمة عميقة، أم أن هناك مساحة للعبثية غير المبررة.
“يذكرني هذا بوجبات المطاعم الحاصلة على نجمة ميشلان، التي تكون فاخرة لدرجة السكرية؛ تبدو جميلة، ولكن لا يوجد الكثير من حيث القيمة الغذائية.”
“Sanguine (Species)”: هجاء واعد يعاني من التنفيذ
من جانبها، قدمت المخرجة ماريون لو كوروليه (Marion Le Coroller) فيلم “Sanguine (Species)”، وهو هجاء رعب جسدي نسوي يتناول الإرهاق الوظيفي. تبدأ أحداث الفيلم بمشهد صادم لعامل مطعم وجبات سريعة يصاب بالجنون ويقتل زبونًا ثم نفسه، مما يضع المشاهد في أجواء من التوتر والغرابة منذ البداية. تتابع القصة متدربة في غرفة طوارئ تدعى مارغو (Margot)، تبدأ في تجربة أعراض فيروس غامض يصيب المنهكين من العمل الشاق.
يلتقط الفيلم قضايا اجتماعية معاصرة تتعلق بالضغوط المهنية وتأثيرها على الصحة النفسية والجسدية، مما يجعله ذا صلة وثيقة بتحديات العصر الحديث. ورغم أن الفكرة تبدو واعدة، وقد تثير مقارنات مع أعمال مخرجين مثل كورالي فارجيت (Coralie Fargeat) وجوليا دوكورنو (Julia Ducournau) في تناول الرعب الجسدي، إلا أنه عانى من ضعف في التنفيذ، مما قلل من تأثيره المحتمل. يميل الفيلم أكثر إلى أسلوب ديفيد كروننبرغ (David Cronenberg) في “Dead Ringers” أو غور فيربينسكي (Gore Verbinski) في “A Cure for Wellness”، لكنه لم يصل إلى نفس المستوى من الإتقان الفني.
“إنه هجاء رعب جسدي بلمسة نسوية سيثير بلا شك مقارنات مع كورالي فارجيت (Coralie Fargeat) وجوليا دوكورنو (Julia Ducournau)، لكنه يتماشى أكثر مع فيلم ‘Dead Ringers’ لكروننبرغ (Cronenberg) أو ‘A Cure for Wellness’ لفيربينسكي (Verbinski).”
أين ذهبت أفلام “منتصف الليل” الحقيقية؟
يشير النقاد إلى أن الأفلام التي كانت لتناسب قسم “منتصف الليل” بشكل جيد، والتي تتميز بجرأتها وإبداعها، ربما تم تحويلها إلى أقسام أخرى من المهرجان. فالعناوين مثل “Victorian Psycho” و”Too Many Beasts”، التي توحي بطبيعة سينمائية تتوافق مع روح هذا القسم، لم تظهر ضمن عروض “منتصف الليل”، مما يطرح تساؤلات حول معايير الاختيار هذا العام. إن هذا التحول يترك القسم الذي طالما كان محط أنظار عشاق السينما الغريبة والمبتكرة، في حالة من الركود والضبابية، مما يثير تساؤلات حول مستقبله ودوره في المهرجانات السينمائية القادمة.
تحديات اختيار الأفلام وقيمة التجربة
في ظل هذه الانتقادات، يبرز التحدي الذي يواجهه منظمو المهرجانات في اختيار الأفلام المناسبة لكل قسم، خاصة الأقسام التي تعتمد على تقديم تجارب سينمائية غير تقليدية. ففي حين أن الأفكار الجيدة قد تكون متوفرة، إلا أن ضعف التنفيذ يمكن أن يقوض أي محاولة لتقديم عمل فني مؤثر. هذا الأمر يدعو إلى مراجعة شاملة لعملية الاختيار، لضمان أن تبقى أقسام مثل “منتصف الليل” وفية لروحها الأصلية في تقديم سينما جريئة ومتقنة في آن واحد، بدلًا من الاكتفاء بعروض تفتقر إلى الجودة وتخيب الآمال.
