
«الرجل الذي أحبه»: عودة آيرا ساكس المتألقة إلى كان
يعود المخرج الأميركي المخضرم آيرا ساكس بقوة إلى مهرجان كان السينمائي، مقدماً لجمهوره فيلمه الجديد «الرجل الذي أحبه» (The Man Who Loved) ضمن فعاليات الدورة الحالية، بعد غياب منذ مشاركته بفيلم «فرانكي» (Frankie) عام 2019. تدور أحداث الفيلم في نيويورك أواخر الثمانينيات، ويُعد رحلة سينمائية عميقة في نسيج العلاقات الإنسانية المعقدة وصناعة المسرح الصاخبة في تلك الفترة، مع خلفية مؤرقة لوجود وباء الإيدز الذي كان يلقي بظلاله على المدينة. يبرز العمل كدراسة متأنية للعواطف البشرية والروابط الأسرية والرومانسية، مصوراً على شريط سينمائي ليضفي عليه طابعاً أصيلاً يعكس حقبة زمنية محددة.
تعقيدات نيويورك: قصة «جيمي جورج» في الثمانينيات
يتصدر بطولة الفيلم النجم رامي مالك في دور «جيمي جورج»، وهو فنان مسرحي يواجه تحديات مهنته وحياته الشخصية في مدينة لا تنام. يشاركه البطولة نخبة من الممثلين الموهوبين، منهم ريبيكا هول، وتوم ستوريدج، ولوثر فورد، الذين ينسجون معاً شبكة من العلاقات المتشابكة التي تشكل جوهر السرد. يستكشف الفيلم بعمق تعقيدات الروابط الأسرية والعاطفية، مصوراً كيف تتشابك هذه العلاقات مع طموحات «جيمي» المهنية في عالم المسرح النيويوركي، الذي كان يغلي بالإبداع والتحديات في آن واحد. يبرز الفيلم كيف أن الحياة نفسها «مهمة صعبة، العيش»، كما جاء في أحد الاقتباسات، خاصة في ظل الظروف الاجتماعية والصحية التي كانت سائدة.
«من الجيد له أن يرى عمه عن قرب، خاصة الآن وهو مشغول ومتحمس لعرض جديد.»
لمسة سينمائية أصيلة: تصوير على شريط الفيلم
أحد الجوانب اللافتة في فيلم «الرجل الذي أحبه» هو اختيار المخرج آيرا ساكس لتصوير العمل على شريط سينمائي، وهو قرار يعزز من الأصالة البصرية للفيلم ويمنحه إحساساً حقيقياً بفترة الثمانينيات. لا يُعد هذا الخيار مجرد تفضيل جمالي، بل هو جزء لا يتجزأ من رؤية المخرج لإعادة إحياء تلك الحقبة بكل تفاصيلها وروحها. يتيح التصوير على الشريط السينمائي التقاط النسيج البصري للمدينة والعواطف الإنسانية بطريقة قد لا تتوفر بنفس القدر في التقنيات الرقمية الحديثة، مما يضفي على الفيلم عمقاً وواقعية تلامس المشاهدين وتأخذهم في رحلة زمنية فريدة.
مقارنة سينمائية: «الرجل الذي أحبه» مقابل «زفاف بنكهة البرتقال»
في سياق تغطية مهرجان كان، تبرز مقارنة بين فيلم ساكس وفيلم آخر يشارك في المهرجان هو «زفاف بنكهة البرتقال» (Orange Blossom Wedding) للمخرج كريستوف أونوريه. بينما ينجح «الرجل الذي أحبه» في تقديم سرد متماسك وعميق لعلاقاته وشخصياته، فإن فيلم أونوريه، الذي تدور أحداثه في 11 مارس 1978 ويشارك فيه أكثر من اثني عشر شخصية رئيسية، يواجه تحديات في السرد. يُعد «زفاف بنكهة البرتقال» أقل نجاحاً في بناء قصة واضحة المعالم، حيث تتداخل الشخصيات والأحداث بطريقة قد تشتت انتباه المشاهد وتصعب عليه تتبع الخطوط الدرامية، مما يجعله أقل تأثيراً مقارنة بالتركيز والعمق الذي يقدمه ساكس في عمله.
«إنها مهمة صعبة، العيش.»
خاتمة: نجاح «الرجل الذي أحبه» في استكشاف الروح البشرية
في الختام، يقدم فيلم «الرجل الذي أحبه» لآيرا ساكس تجربة سينمائية غنية ومؤثرة، تستعرض ببراعة تعقيدات العلاقات الإنسانية في سياق تاريخي واجتماعي محدد. يبرهن الفيلم على قدرة ساكس على الغوص في أعماق الروح البشرية وتقديم قصص مؤثرة تلامس المشاعر، مما يجعله إضافة قيمة لمهرجان كان السينمائي هذا العام. ومع الأداء القوي لرامي مالك وبقية طاقم العمل، يرسخ الفيلم مكانته كأحد الأعمال التي تستحق المشاهدة والتقدير، مؤكداً على أهمية السينما كمرآة تعكس الواقع وتستكشف تساؤلات الوجود البشري.
