صراعات الهوية والبحث عن الحرية: أفلام من قلب التهميش في مهرجان كان

1 دقيقة قراءة
صراعات الهوية والبحث عن الحرية: أفلام من قلب التهميش في مهرجان كان
الصورة: Hanna Zhyhar على Unsplash

صراعات الهوية والبحث عن الحرية: أفلام من قلب التهميش في مهرجان كان

في قلب الريفيرا الفرنسية، حيث تتوهج أضواء مهرجان كان السينمائي الدولي، تتجلى قصص إنسانية عميقة قادمة من أطراف العالم، حاملةً في طياتها صراعات الهوية، وقمع التقاليد، والبحث المضني عن الحرية. ضمن قسم «نظرة ما» (Un Certain Regard) لهذا العام، برز فيلمان روائيان أولان، هما «أفيال في الضباب» (Elephants in the Fog) للمخرج النيبالي أبيناش بيكرام شاه و«الأمس لم تنم العين» للمخرج الفلسطيني راكان مياسي، كصوتين جريئين يعكسان تحديات مجتمعات مهمشة من نيبال إلى لبنان، محققين بذلك حضورًا لافتًا في واحد من أعرق المهرجانات السينمائية العالمية.

«أفيال في الضباب»: صدى مجتمع الكينار في نيبال

حصد فيلم «أفيال في الضباب» جائزة لجنة التحكيم في قسم «نظرة ما» بمهرجان كان لهذا العام، مسلطًا الضوء على قصة مؤثرة تدور أحداثها في مجتمع المتحولين جنسيًا في نيبال. يركز الفيلم على شخصية بيراثي، امرأة متحولة جنسيًا، تتولى دور عميدة منزل للاجئين المتحولين جنسيًا. تجسد بيراثي جزءًا من مجتمع «الكينار» (Kinnaur) في نيبال، وهو أسلوب حياة قديم ومعترف به قانونيًا لمن يعتبرون أنفسهم أعضاء في «الجنس الثالث»، وله جذور دينية عميقة في الهندوسية والإسلام.

يمثل هذا الفيلم العمل الروائي الأول للمخرج أبيناش بيكرام شاه، ويقدم رؤية حساسة لتحديات هذا المجتمع، مبرزًا التناقضات بين التقاليد العريقة والواقع المعاصر. بطلة الفيلم، بوشبا ثينغ لاما، ليست مجرد ممثلة، بل هي ناشطة بارزة في مجتمع الكينار، وقد خاضت تجربة التمثيل لأول مرة من خلال هذا الفيلم، مما أضفى على الأداء أصالة وعمقًا لا مثيل لهما. بذلك، أصبحت بيراثي ليست مجرد شخصية سينمائية، بل صوتًا حقيقيًا يروي جزءًا من تجربتها الشخصية وتجارب مجتمعها.

«الأمس لم تنم العين»: صراع المرأة في وادي البقاع

بالتوازي مع «أفيال في الضباب»، يقدم المخرج الفلسطيني راكان مياسي فيلمه الروائي الأول «الأمس لم تنم العين» ضمن نفس القسم في مهرجان كان. يأخذنا الفيلم في رحلة إلى الطقوس الأبوية للقبائل البدوية في وادي البقاع اللبناني، حيث يرصد الصراع المحتدم بين القبائل وعواقبه الوخيمة على النساء.

ما يميز هذا الفيلم هو أسلوب إنتاجه الجريء وغير التقليدي؛ فقد صُوّر بدون سيناريو مسبق، ومع ممثلين غير محترفين، مستندًا بشكل أساسي إلى روايات شفهية عن زواج جدة المخرج القسري. يمنح هذا النهج الفيلم طابعًا وثائقيًا أصيلًا، يعكس الواقع بقسوة وصدق، ويبرز كيف يمكن للتقاليد المتجذرة أن تشكل قدر النساء في هذه المجتمعات، وكيف يمكن للصراعات القبلية أن تدفع ثمنها الأجساد والأرواح البريئة.

سينما تتجاوز الحدود: قضايا عالمية برؤى محلية

يمثل عرض هذين الفيلمين في مهرجان كان شهادة على قدرة السينما على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وطرح قضايا إنسانية عالمية برؤى محلية عميقة. فبينما يتناول «أفيال في الضباب» تحديات الهوية الجنسية والاجتماعية لمجتمع الكينار في نيبال، يقدم «الأمس لم تنم العين» صورة قاسية لقمع المرأة وصراع التقاليد في المجتمعات البدوية بوادي البقاع.

كلا الفيلمين يعكسان بحثًا مضنيًا عن الذات والحرية في سياقات مختلفة، لكنهما يلتقيان في تسليط الضوء على هشاشة الإنسان أمام سلطة التقاليد والضغوط الاجتماعية. هذه الأعمال لا تقدم مجرد قصص، بل تفتح نافذة على عوالم غالبًا ما تكون غائبة عن الشاشات الكبيرة، وتدعو الجمهور للتأمل في مفاهيم الهوية، العدالة، والحقوق الإنسانية في أبهى صورها الفنية.

مستقبل واعد للسينما العربية والآسيوية

إن حضور هذه الأفلام في مهرجان كان، وخصوصًا فوز «أفيال في الضباب» بجائزة لجنة التحكيم، يؤكد على الدور المتنامي للسينما الآسيوية والعربية في المشهد السينمائي العالمي. هذه الأعمال ليست مجرد أفلام تعرض في مهرجان مرموق، بل هي رسائل فنية قوية تحمل في طياتها نقدًا اجتماعيًا عميقًا، وتفتح آفاقًا جديدة للحوار حول قضايا الهوية والحرية والكرامة الإنسانية في مجتمعات تتوق إلى التغيير والاعتراف. ومع كل عرض، تثبت هذه الأفلام أن القصص الحقيقية، مهما كانت محلية، تمتلك القدرة على لمس قلوب وعقول الجماهير عبر العالم.