
بوتس رايلي يكشف كواليس “أحب المعززات” ومنهجه الجريء
في حوار صحفي كاشف، سلّط المخرج الأمريكي المثير للجدل، بوتس رايلي (Boots Riley)، الضوء على فيلمه الجديد المرتقب “أحب المعززات” (I Am A Boost) وعمليته الإبداعية المعقدة. يؤكد رايلي في هذا الحوار على منهجه المميز في توظيف التقنيات المرئية لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية الشائكة. يأتي هذا الفيلم بعد ثماني سنوات من نجاحه المدوّي بفيلم “آسف لإزعاجك” (Sorry to Bother You)، ليبرهن رايلي مجددًا على قدرته في تقديم رؤى نقدية عميقة عبر عدسة سينمائية فريدة.
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان SXSW في مارس الماضي، ويستهدف موضوع استغلال صناعة الأزياء، وهو ما يتماشى مع اهتمامات رايلي المعروفة بقضايا الطبقة والرأسمالية والجماليات. يشارك في بطولة الفيلم نخبة من النجوم، على رأسهم كيكي بالمر (Keke Palmer) في دور المصممة الطموحة كورفيت، بالإضافة إلى نعومي آكي (Naomi Ackie) وتايلور بيج (Taylour Paige) وديمي مور (Demi Moore) وبوبي ليو (Bobby Liu). ويشهد الفيلم ظهورًا مفاجئًا للاكيث ستانفيلد (Lakeith Stanfield) ودون تشيدل (Don Cheadle)، مما يضيف ثقلاً فنيًا ويرفع التوقعات للعمل.
رحلة “أحب المعززات”: من الأغنية إلى الشاشة الكبيرة
لم يكن فيلم “أحب المعززات” مجرد فكرة عابرة، بل هو نتاج تطور فني بدأ من أغنية تحمل الاسم نفسه لفرقة رايلي “ذا كوب” (The Coup). كانت هذه الأغنية الشرارة الأولى التي ألهمت رايلي لنسج قصة سينمائية أوسع تتناول موضوعًا حساسًا ومعقدًا. استغرق رايلي ثماني سنوات لإنجاز هذا الفيلم، وهو وقت طويل قد يبدو محبطًا للبعض، لكنه في الحقيقة يعكس تفانيه في عمله وحرصه على تقديم منتج فني متكامل.
“لم يكن الأمر محبطًا بالقدر الذي قد تتخيله، لكنك قد تعتقد أنه كان سيحدث بشكل أسرع بعد نجاح ‘آسف لإزعاجك’. ومع ذلك، يستغرق الأمر وقتًا لتنسيق الجداول الزمنية وتجميع الطاقم المناسب مع السعي للحصول على الميزانية التي تحتاجها.”
خلال هذه الفترة، لم يكن رايلي مكتوف الأيدي، بل كان يعمل على المسلسل التلفزيوني الناجح “أنا برج العذراء” (I’m a Virgo) ويكتب فيلمين آخرين، مما يبرهن على إنتاجيته الفنية المستمرة وقدرته على إدارة مشاريع متعددة في آن واحد.
تحديات الإنتاج وحلول رايلي الإبداعية
يواجه المخرجون دائمًا تحديات في الإنتاج، خاصة عند التعامل مع أفلام ذات رؤى فنية جريئة وميزانيات محدودة. رايلي، بصفته مخرجًا يميل إلى التجريب، وجد حلولًا مبتكرة للتغلب على هذه العقبات. فقد لجأ إلى الرسوم التخطيطية (storyboarding) بشكل مكثف، خاصة للأجزاء الصعبة من الفيلم مثل مشهد المطاردة، ليس فقط لتصوير رؤيته، بل لإثبات جدوى هذه المشاهد للمنتجين وإقناعهم بإمكانية تنفيذها.
الأكثر إثارة للاهتمام هو استخدامه للنماذج المصغرة (miniatures) في “أحب المعززات”. لم يكن هذا الاختيار مجرد حيلة بصرية، بل كان قرارًا استراتيجيًا لتقليل التكاليف وتحقيق تأثيرات بصرية معينة لم تكن ممكنة في التصوير الخارجي التقليدي. هذه التقنية سمحت له بخلق “أجزاء سحرية” وحركات كاميرا معقدة، مما يضفي على الفيلم طابعًا فريدًا ومميزًا.
“لكننا كنا نفقد الكثير من ‘الأجزاء السحرية’. قال كريس وارين، الرجل الذي يقوم بالنماذج المصغرة، إنه بما أن لدينا المباني، يمكننا فقط وضعها بزاوية وستبدو وكأنها تل.”
الجماليات البصرية كأداة للنقد الاجتماعي
يُعرف رايلي بمنهجه الذي يرى في الجماليات البصرية وسيلة قوية للتعبير عن النقد الاجتماعي. في “أحب المعززات”، يستمر في هذا النهج، حيث يستخدم التقنيات المرئية لخلق عالم سينمائي يعكس تعقيدات استغلال صناعة الأزياء. هذه “الأجزاء السحرية” واللمسات الفنية ليست مجرد زينة، بل هي جزء لا يتجزأ من السرد، تساهم في إيصال رسالة الفيلم بشكل أكثر قوة وتأثيرًا.
“بالنسبة لي، الأمر أشبه بوضع طبقات من الملمس. الفكرة هي أن يبدو الأمر حسيًا وثلاثي الأبعاد تقريبًا.”
هذا التركيز على الملمس والإحساس ثلاثي الأبعاد يعكس رغبة رايلي في غمر المشاهد في التجربة السينمائية، وجعله يشعر وكأنه جزء من هذا العالم الذي ينتقده. إنها طريقة لكسر الحواجز بين الفيلم والواقع، ودفع الجمهور للتفكير مليًا في القضايا التي يطرحها.
تأثير رايلي المستمر على السينما العربية والعالمية
في ظل تزايد الوعي بالقضايا الاجتماعية والسياسية في العالم العربي، يجد المخرجون العرب أنفسهم أمام تحديات مماثلة لتلك التي يواجهها رايلي. إن منهجه في دمج النقد الاجتماعي مع الابتكار البصري يمكن أن يكون مصدر إلهام للمواهب الصاعدة في المنطقة. ففيلم مثل “أحب المعززات” لا يقدم فقط قصة مسلية، بل هو دعوة للتفكير في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم حياتنا، وهو ما يتردد صداه بقوة في مجتمعاتنا العربية التي تشهد تحولات سريعة وتحديات اقتصادية واجتماعية متعددة.
يظل بوتس رايلي واحدًا من الأصوات الفريدة في صناعة الأفلام، يمزج بين الفن والنشاط الاجتماعي بطريقة لا تخلو من الجرأة والابتكار. ومع “أحب المعززات”، يؤكد مرة أخرى على مكانته كمخرج لا يخشى الغوص في أعماق القضايا الإنسانية، مقدمًا إياها بأسلوب سينمائي يترك أثرًا عميقًا في نفوس المشاهدين حول العالم.
